الشنقيطي
41
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الطعام ، إذا غاب فيه وهلك فيه ، ولذلك تسمي العرب الدفن إضلالا ؛ لأنه تغيب في الأرض يؤول إلى استهلاك عظام الميت فيها ، لأنها تصير رميما وتمتزج بالأرض . ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [ السجدة : 10 ] الآية . ومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ [ الأعراف : 53 ] أي غاب واضمحل . ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان : فآب مضلوه بعين جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل فقوله : مضلوه ، يعني دافنيه . وقوله : بعين جلية ، أي بخبر يقين . والجولان : جبل دفن عنده المذكور . ومن الضلال بمعنى الغيبة والاضمحلال قول الأخطل : كنت القذ في موج أكدر مزبد * قذف الأتى به فضل ضلالا وقول الآخر : ألم تسأل فتخبرك الديار * عن الحي المضلل أين ساروا قوله تعالى : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) [ 15 ] . أخبر اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه سينبىء إخوته بهذا الأمر الذي فعلوا به في حال كونهم لا يشعرون . ثم صرح في هذه السورة الكريمة بأنه جل وعلا أنجز ذلك الوعد في قوله : قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ( 89 ) [ يوسف : 89 ] . وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله : وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) [ يوسف : 58 ] . وهذا الذي ذكرنا أن العامل في الجملة الحالية هو قوله : لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أي لتخبرنهم بِأَمْرِهِمْ هذا في حال كونهم لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) بأنك يوسف هو الظاهر . وقيل : إن عامل الحال هو قوله : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ وعليه فالمعنى : أن ذلك الإيحاء وقع في حال كونهم لا يشعرون بأنه أوحى إليه ذلك . وقرأ هذه الآية جمهور القراء غيبت الجب بالإفراد ، وقرأ نافع « غيابات الجب » بصيغة الجمع ، وكل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة ، ومنه